يكشف روبيل تي يشيتيلا في تحليل نشره موقع هورن ريفيو أن القراءة السائدة للحرب السودانية تختزل الأزمة في تهريب السلاح والعقوبات والشبكات المالية، بينما تتجاهل البنية السياسية التي صنعت الصراع ورسخت هيمنة المؤسسة العسكرية لعقود. ويرى الكاتب أن التدخلات الإقليمية، خاصة المصرية، لعبت دوراً محورياً في إعادة إنتاج نظام سياسي يمنح الجيش سلطة دائمة ويقيد أي مشروع للحكم المدني.
ويشير تقرير هورن ريفيو إلى أن جذور الأزمة السودانية تعود إلى فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، حين اعتمدت الإدارة الاستعمارية على تقسيم المناطق وتوزيع النفوذ عبر شبكات محلية قائمة على الولاء والمحسوبية. وبعد الاستقلال عام 1956، ورثت الحكومات المدنية دولة ضعيفة المؤسسات، فاستمرت الأحزاب السياسية في الاعتماد على التحالفات الطائفية والرعاية السياسية بدلاً من بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على ضبط الجيش وإدارة التنوع الإقليمي.
المؤسسة العسكرية تهيمن على الدولة السودانية
يوضح الكاتب أن الفترات المدنية القصيرة في السودان ظلت هشة أمام نفوذ الجيش، لأن القوات المسلحة احتفظت بالسيطرة على السلاح والقرار الأمني واستمرت كأكثر المؤسسات تنظيماً داخل الدولة. ولهذا شهد السودان سلسلة انقلابات متكررة أعوام 1958 و1969 و1989 ثم انقلاب أكتوبر 2021 بقيادة عبد الفتاح البرهان.
ويرى التقرير أن القاهرة عززت هذا المسار عبر علاقات وثيقة مع القيادات العسكرية السودانية، حيث حافظت أجهزة الاستخبارات المصرية على تنسيق دائم مع الضباط السودانيين في ملفات الأمن والحدود ومياه النيل. كما دعمت مصر التعاون العسكري والتدريبات المشتركة، ما منح المؤسسة العسكرية السودانية ثقلاً سياسياً أكبر مقارنة بالقوى المدنية.
ويؤكد الكاتب أن هذا النهج ظل ثابتاً منذ عهد جمال عبد الناصر مروراً بحسني مبارك وصولاً إلى عبد الفتاح السيسي، لأن القاهرة تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من معادلة أمنية مرتبطة بحماية حصتها من مياه النيل وضبط الحدود والحفاظ على نفوذها الإقليمي. لذلك فضلت السلطات المصرية التعامل مع قادة الجيش باعتبارهم شركاء أكثر استقراراً من الحكومات المدنية التي قد تتبنى سياسات مستقلة.
صراع البرهان والدعم السريع يعكس أزمة بنيوية
يربط التحليل بين الحرب الحالية والصراع على السيطرة داخل النظام نفسه، لا بين مشروعين سياسيين مختلفين. فقد نشأت قوات الدعم السريع من المليشيات التي استخدمها نظام عمر البشير، ثم تحولت إلى قوة اقتصادية وعسكرية مستقلة تعتمد على تجارة الذهب وشبكات التمويل الخاصة بها، بينما احتفظ الجيش السوداني بشرعية الدولة الرسمية ومؤسساتها.
ويشير الكاتب إلى أن الطرفين يتحركان داخل بنية سياسية تعتبر السيطرة على السلاح والثروة الطريق الأساسي للوصول إلى السلطة، لذلك يظل الصراع امتداداً لنظام قديم قائم على النفوذ العسكري والمحسوبية، لا معركة لبناء دولة مدنية حديثة.
كما يلفت التقرير إلى أن الجيش السوداني رفض عدة مبادرات دولية تضمنت انتقالاً واضحاً للحكم المدني، بينها مبادرة «الرباعية» عام 2025 وخارطة طريق أمريكية عام 2026. ويعكس هذا الرفض تمسك القيادة العسكرية بالهيمنة على الدولة ورفض أي ترتيبات تقلص نفوذها السياسي.
تجاهل الدور المصري يحد من فهم الأزمة
ينتقد الكاتب الطريقة التي تتعامل بها مراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية مع الحرب السودانية، إذ تركز أغلب التحليلات على العقوبات والتهريب وشبكات التمويل، بينما تتجنب الحديث المباشر عن دور القوى الإقليمية المؤثرة وعلى رأسها مصر.
ويرى أن هذا التجاهل يرتبط بحسابات دبلوماسية وسياسية، لأن القاهرة تمثل شريكاً أساسياً للولايات المتحدة والقوى الغربية في ملفات الأمن الإقليمي. لذلك تفضل المؤسسات الدولية التركيز على قضايا يمكن قياسها والتعامل معها سريعاً مثل السلاح والعقوبات، بدلاً من مناقشة طبيعة العلاقات الأمنية العميقة بين مصر والجيش السوداني.
ويؤكد التحليل أن انتفاضة 2019 كشفت وجود قاعدة شعبية واسعة تطالب بالحكم المدني والإصلاح الدستوري، حيث نجحت القوى المدنية في طرح رؤية واضحة لدولة تقوم على المشاركة والمحاسبة. لكن استمرار الدعم الإقليمي للمؤسسات العسكرية أبقى ميزان القوة مختلاً وأعاد إنتاج النظام نفسه بأدوات جديدة.
ويخلص الكاتب إلى أن أي حل حقيقي للأزمة السودانية لن ينجح ما دامت القوى الخارجية تواصل دعم قنوات النفوذ العسكري على حساب المؤسسات المدنية. فاستمرار هذا النهج يجعل السيطرة على القوة المسلحة الطريق الأكثر ضماناً للوصول إلى الحكم، ويُبقي السودان عالقاً داخل دائرة الانقلابات والحروب والانهيار السياسي.
https://hornreview.org/2026/05/14/sudans-crisis-underdiagnosed-by-design/

